أحمد بن علي الرازي

83

شرح بدء الأمالي

لأنه لو كان قديما لما تصور وجود الباري جلت قدرته . ولا وجه للثاني ؛ لأن المحدث لا يصلح أن يكون معدما للقديم ؛ لأن الحادث يزيد قطع وجوده ، والقديم يزيد دفعه . ولا شك أن الدفع أصون من القطع ، والقديم أقوى وأقدر من الحادث ، والله تعالى محدث الحوادث ، ومورث الموارث ، وموصوف بصفات الوحدانية ، ومنعوت بنعوت الفردانية وليس بمعناه أحد من البرية ، تعالى عن الحدود ، واللغات ، والأركان والأعضاء والأدوات . ومن كانت في قديميته مخالفة مارق من أهل الأهواء والفلاسفة ، ومن خالف موصوف كماليته صارت معتزلة من أهل ضلالته . خالق بلا حاجة ، رازق بلا مئونة . وليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق ، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري وله معنى الربوبية ولا مربوب ، وله معنى الخالق ولا مخلوق ، وكما أنه محيى الموتى بعد ما أحيى ، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم ، وكما استحق اسم الأبدي بعد ما أعدمهم ، استحق هذا الاسم [ 39 ] قبل إحداثهم . ومن قال : اسمه الأزل أقدم من اسمه الأبد كان فلسفا ومنافقا ؛ لأن الأزل والأبد صفتان من صفاته وليس في بعض صفاته أسبق من بعض . ومن قال : صفات ذاته أسبق من صفات فعله صار كافرا ؛ لأن السبق صفة القدم ، وما ظهر بعد السبق محدث ، والمحدث لا يكون صفة القديم ، والله تعالى منزه بجميع صفاته عن صفات الحدوث والنظير . وذلك بأنه على كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير ، وكل أمر عليه يسير لا يحتاج إلى شيء : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] . خلق الخلق بعلمه ، وقدر لهم أقدارا وضرب لهم آجالا لم يخف عليه شيء بعد خلقهم ، وعلم ما هم عاملون « 1 » قبل أن يخلقهم . ومن قال : إنه لم يكن خالقا قبل أن يخلق الخلق ، فلما خلق الخلق صار خالقا ، فهو كفر محال ، قال الله تعالى : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ [ الأنعام : 102 ] .

--> ( 1 ) هذه العبارة من أول الباب إلى قوله : قبل أن يخلقهم هي عبارة الإمام الطحاوي .